Thursday, March 29, 2018

رزاق عبد الرزاق يصدر كتابه العاشر بفرنسا(بلاغ ثقافي)


ب
لاغ ثقافي
-x-
رزاق عبد الرزاق يصدر كتابه العاشر بفرنسا
-x-
صدر للكاتب المغربي رزاق عبدالرزاق كتاب جديد في  طبعتين، ورقية والكترونية . وهو العاشر من مجموع مؤلفاته (خمسة  بفرنسا، وواحد بكندا. الباقي تم طبعه بالمغرب).
المؤلف الجديد (من الحجم المتوسط)  يحمل عنوان : "’’Ok, on ira voir ta sœur ! )  حسنا ، لنذهب إذن  لزيارة  أختك ! (. وهو عبارة عن قصة روائية استوحى رزاق موضوعها من رحلاته  إلى فرنسا .  صنفه الناشر الباريسي "ايدليفر" ضمن الكتب التي تعنى بالمجتمع .  فبطلي القصة بيير وميلاني يقطنان باريس و ينتميان إلى جيل المشاغبين الذين  شاركوا  في  إضرابات 1968 الشهيرة ، لكن بعد مرور 30 سنة عن زواجهما  سيتعرض كيانهما الأسري إلى زلزال عنيف سبيه الشك والكذب . لا يتعلق الأمر بالخيانة الزوجية، كما هو معتاد في الأزمنة الحاضرة ،  وإنما  بالخوف  من العدوى . فلامتحان زوجته، افتعل بيير حالة تمثيلية  يتظاهر من خلالها بأنه مصاب بمرض جلدي معدي،  مما دفع ميلاني  إلى البحث عن   حجة مقبولة للابتعاد عنه خوفا من العدوى . قالت له أن شقيقتها مصابة بالسرطان وتريد الذهب لزيارتها   في مارسيليا . هكذا احتدم الجدال بين الزوجين، و كاد  الخلاف أن يؤدي  إلى الطلاق. فتجنبا لذلك ، سيسافر بيير مع وزوجته إلى جنوب فرنسا  ، لكن بمجرد وصوله  إلى بيت أخت زوجته بولين سيكتشف  الحقيقة . لأن خلافا لما زعمت ميلاني،  ف بولين   تتمتع  بصحة  جيدة وأنها غير مصابة بأي مرض من الأمراض . وقبل الانفصال عن زوجته عقابا لها على الكذب والافتراء الخطير الذي أقدمت عليه ، سيعترف هو الأخر بأنه لم يكن  مصابا بأي مرض معدي ، وكل ما قام به كان تمثيلا   مسرحيا .
ما يميز هذا المؤلف الروائي عن الإبداعات  الأخرى هو طغيان الحوار على السرد، لأن هذا الإبداع  الأدبي موجه أصلا  إلى المسرح والسينما . فقبل التوقيع النهائي على العقد،  اشترط الكاتب المغربي على الناشر الباريسي  ترك باب  الاقتباس المسرحي والسينمائي مفتوحا . فقبل الناشر هذا الشرط.
فمباشرة بعد توصله بالرد الايجابي،  بادر رزاق إلى  تحويل النص الروائي  إلى دراما . ذلك ما تيسر بسهولة،  لأن البنية اللسانية واللغوية  ساعدت على ذلك.  إن المسرحية جاهزة، وهو ألان  منشغل بكتابة سيناريو (Road- movie ) انطلاقا من نفس النص الإبداعي الذي يعتبره  من أروع ما كتبه لحد ألان . لأن القضايا التي أثيرت عبر المتن القصصي تهم كل شعوب الدنيا.
من الأشياء الطريفة التي واكبت كتابة النص ، ذهب رزاق من باريس إلى مارسيليا   عبر حافلة لنقل الركاب ، لاستكشاف وتفقد الأماكن التي تدور فيها أحدات الرواية . اختار السبيل   رقم 7 من  الشبكة الطرقية الوطنية و المعروف عند  الفرنسيين بالطريق الأزرق،  خط يربط مدنا عديدة وينتهي  مساره  في شاطئ البحر الأبيض المتوسط،،  موازاة مع  الطريق السيار الذي شيد لربح الوقت خاصة في فترة  الذروة  والاكتظاظ  أي فصل الصيف.  وعند وصوله إلى مارسيليا  قضى الكاتب أياما  في التنقل بين دروب  وأزقة  المدينة، كمخرج سينمائي جاء للبحث عن مكان معبر  يصلح للمشهد الختامي  لفلمه ،  فكان حي فنون الشارع المعروف عند سكان مارسيليا هو المكان  المناسب والأنسب.

abderaz@laposte.net

Monday, March 05, 2018

تحية نضالية لسجناء الرأي القدامى والجدد بقلم رزاق عبدالرزاق RITAJ PRESS

تحية نضالية
لسجناء الرأي القدامى والجدد
بقلم رزاق عبدالرزاق


إن الصحافيين "المبولسين" وما أكترهم في هذا البلد تعس الحض،   يفرحون حينما يسمعون خبر اعتقال صحافي آخر، أو الحكم عليه بأداء غرامة أخنطونية، كأنه مالك شركة ضخمة عابرة للقارات، أو لجريدة تبيع مليوني نسخة يوميا . فإن هم فرحوا بخبر الاعتقال و التعسف المالي المؤدي للإفلاس، فنحن معشر البررة من حاملي الريشة والقلم، رغم قلتنا في المعترك الفكري ، نصدم شر صدمة، بالمقارنة مع جيوش الأميين المنتشرين في البوادي والمدن،  والذين يجهلون ما يقع في البلاد. ينتابنا الحزن والأسى، لأن هذه المحاكمات الصورية أرجعتنا سنين للوراء. إلى العهد الافقيري البائد، الذي زاده التسلط الأعمى والانتقامي تعفنا ووحشية . وبما أن الدكتاتوريات العربية عادت إلى مواقعها الأصلية ، بعد إفشال الربيع العربي، بشتى الطرق، و بمباركة الغرب ومرتزقة الشرق، سيبقى حلم الديمقراطية صعب المنال، بل سيزيد القمع استفحالا وشراسة. خاصة بعد رجوع الأسد إلى سابق عهده، منتصرا على معارضيه ، بمساعدة قوى إقليمية، و تشديد قبضة حاكم مصر الحديدية على دواليب الحكم ، سيكون المستقبل أكثر قمعا للحريات من الماضي ، لأن يوجد عندنا ، وفى بلدان عربية أخرى أناس مغمورين في موقع القرار السياسي ، ويؤمنون بالفكر الشمولي . سيقلدون هؤلاء المتسلطين الذين يعبثون بأرواح البشر. نراهم قد أعدوا العدة لزرع الخوف في النفوس، لتوبيخ المعارضين السياسيين بالقوة والسوط والنار. حيث صار عدوهم الأول ليس إسرائيل، لأنهم لا يقووا على مواجهتها ، وإنما بنو جلدتهم. سيكبر الضغط و القهر على الشعوب التواقة لغد أفضل، حتى يؤدي بها المطاف إما لانتفاضة عارمة مع تطوراتها العاصفة، ستأتي على اليابس والأخضر، وإما للاستسلام و والخنوع و طأطأة الرأس إلى الأبد. لكن علمنا التاريخ أن الشعوب لا تطأطئ الرأس إلى الأبد. وللمغاربيين درس غالي تعلموه مع الاستعمار الفرنسي. فحتى الأبارتهايد الذي كان معززا بأحدث وسائل القمع و التعذيب الجسدي والنفسي ، لم يعمر طويلا في دولة مانديلا الإفريقية.
فرغم قتامة المشهد وضبابية المستقبل، تبقى تونس أكثر حضا بالمقارنة مع البلدان المغاربية الأخرى ، ربما لأنها حاربت مند البداية وبجدية ، آفة الجهل والأمية، مما يؤهلها لانتقال السلس، لتبوأ مكانة راقية تقترب شيئا فشيئا من الديمقراطية الحقة . أما البلدان الأخرى ومنها المغرب، فسيضل الوضع مرشحا لمزيد من الاحتقان، لأن الحلول الشافية لم ترى الوجود في اللحظات الحاسمة . ففي الآونة التي نعيشها ، كل المؤشرات لا تبعث على الأمل، لأن المحيط الدولي مأزوم، والأجواء مكهربة بما فيه الكفاية . كذاك بدأت تظهر علامات حرب عالمية ثالثة ووشيكة ، قوامها التسلح النووي والتشرذم البشري. فإن شبت هذه الحرب فانتظر الساعة ، لأنها ستكون الأخيرة، والمؤدية بشكل جماعي للآخرة . فلن يفلت أي بلد من الشظايا مهما كانت سلمية اختياراته ، وحسن نواياه .
إما فيما يخص ساستنا، سامحهم الله فهم يشنون حربا من نوع آخر ، ضد شبح جسده تصويت فئة محدودة من الشعب. أنها حرب مواقع . وما هو عبثي ومؤسف حقا ، هو الانشغال السابق لأوانه بانتخابات 2021 ، ونسيان حل مشاكل 2018 ، التي تتفاقم جراء اللامبالاة وانعدام الجدية .
"يا سادة إن كان الحكم هو ما تريدون فهو بين يديكم. فلما كل هذا السيرك؟ المواطنون ينتظرون منكم حل مشاكلهم " . فهذا السلوك "الدونكيشوتي" لا يشرف البلد، لأنه كاريكاتيري و يبعث إلى الضحك والسخرية . هذا التسابق المحموم حول كراسي المستقبل يخفي إخفاقات الحاضر الجسيمة . فالمثل الشعبي يقول ": كون اسبع وكولني " . "حلو غير مشاكل جرادة والحسيمة وعاد نشوفو2021 ".
إن الأشخاص الواعين يعلمون أننا نقترب من السكتة القلبية، وأن لا حديث عن العدالة والحرية والديمقراطية واقتسام الثروات الوطنية والسلم المجتمعي. سيبقى عندنا فعل "اطحن مو " يصرف نحويا في المضارع والأمر، في بلد تملك فيه أقلية من العائلات المحضوضة، كل ثروات البلد ، ويموت فيه الفقراء خنقا في الازدحام على حفنة قمح. ولو لم تكن الصحافة بصنفيها الورقي والالكتروني موجودة لما علمنا بأمرهم .
لكن ليس من له بطاقة صحافي ، صحافي بمعنى الكلمة . ففي بلدنا يجب التمييز بين صحافة العز وصحافة (لخنز) أي صحافة الكانيفو . أما خبراء الصحافة الذين يملئون الورق بالنظريات السطحية والإرشادات الواهية، ويمعنون في التفلسف في مواضيع سفسطائية ، لا علاقة لها بالواقع المر الذي تعيشه عامة السكان،   كالكلام المبهم عن الفساد دون ذكر اسم المفسدين ، وعن الحكامة المعطوبة دون ذكر الجهة التي تسببت في العطب، وهي معروفة لذا الجميع . هؤلاء أخبث من الصحافيين المحايدين، الذين يلتزمون الصمت تجاه قضايا الساعة، والذين يحشرون في خانة : " كم حاجة قضيناها بتركها" . لكن وراء السكوت والأكمة تقضى حاجات أخرى.
فالويل تم الويل لكل كاتب أو صحافي أدى به الوعي مجابهة اللوبيات السياسية المهيمنة، وعملاء الرأسمالية المتوحشة الذين يحلمون بإفقار الشعوب المغلوبة على أمرها وإركاعها لامتلاءاتهم النتنة. إذا تجرا القلم في فضح المسكوت عنه، دبروا له في مصيدة للانتقام منه. وما أكثر الحيل. تسألك فتاة بعفوية عن عنوان ما ، يحوله "أصحاب الحال" إلى تحرش جنسي، بعد التقاط الصورة من بعيد، دون تسجيل الكلام العادي الذي دار بين مواطن و مواطنة. بالله عليكم، إذا كانت حماية الأخلاق هي الدافع لتحريك المساطر ، فلماذا تتركون أبواب الحانات والملاهي الليلية مفتوحة ، والتي يعشش فيها الفساد ، والعهارة ، والمجون، والتسمم ؟ هناك "فيدورات" يحرسون ملاهي ليلية في القنيطرة يصفعون الفتيات أمام البوليس بالزي الرسمي، دون أن تمسهم يد القانون . كاتب هذه السطور عاين مرات عديدة مثل هذه المشاهد الحزينة والمتناقضة مع ما يدعيه بعض الأمنيين حول الأخلاق والفضيلة. بل تعرضت شخصيا للاعتداء عندما حاولت التصوير بهاتفي المحمول الفيدورات الثلاثة الذين ضربوا فتاة مغربية ، لأنها رفضت أداء " ثمن الخروج "، المفروض قصرا ، على النساء آلائي يلجن المرقص الليلي، والتي تصل، حسب المعلومات التي توصلت بها، إلى 100 درهم.  
نؤاخذ الإعلام المرئي العمومي على عدم القيام بواجبه ، اتجاه بعض الظواهر السلبية ، كهاته ، والتي يتمادى المسئولون في إهمالها حتى تقع الكوارث، ونبدأ نتساءل عن مسبباتها، بعد فوات الأوان . نعاتبه كذلك لعدم اتخاذ المسافة اللازمة من المهرجين الذين يتاجرون بالأوهام المستقبلية ، وينسوا أن الأهم هو معالجة معضلات الحاضر.
فمن أغرب المفارقات هو أن تجد قناة تيليفيزيونية عمومية ممولة من طرف دافعي الضرائب ، لكنها تقوم بالتشهير، لمدير لجريدة معتدلة المواقف، يقرؤها 1/1000 ، حكم علية بأداء غرامة متفاوتة الحجم ، بتهمة التشهير بمسئول عمومي . فالقناة سبقت القضاء في الحكم على المتهم ، فشوهت سمعته أمام الملأ . فأين هي دولة الحق والقانون التي يتغنى بها الرسميون ؟ هذا جرم إعلامي، ولو وقع في بلد أوربي لأدى إلى محاكمة القناة، كما تمت محاكمة هذا الصحافي الذي انزعجت جهات نافذة من افتتاحياته اليومية. والمفارقة الثانية هي أن هذه "الجهات النافذة" تملك صحفا ومجلات ، وعوض الرد الصاع بالصاع، يعني بالكتابة الصحفية ، لجأت إلى المحاكم لاقتصاص منه . جربت الوصفة مع زميل له ، تم ترويضه ليبتعد عن المواضيع الحساسة . والآن حان دوره لتلقينه نفس الدرس .
من الصحافيين الذين بخست أقلامهم وتهاوت هممهم،  نجد صنف حقير شبيه بكلاب الحراسة . تكتفي بالفتات الذي يرمى به على الأرض ، ولكن تملأ الدنيا بالصراخ و النبح ، كلما أشير لأسيادها بإصبع الاتهام ، أو التورط في عملية اختلاس أو استغلال النفوذ . فمن يضن أن الدولة هي الوحيدة الني تمنح الكريمات الريعية لخدامها الأوفياء ، فهو لا يعرف خبايا الأمور . فحتى الأحزاب لها رخصها الريعية هيأت على المقاس ، لأشخاص معينين . منهم من لا علاقة لهم بالصحافة ، لكن يأتون للجرائد الحزبية ليأخذوا خلصتهم الشهرية، دون القيام بأي عمل يذكر. كذلك هناك مكلفين بالصفحات الخاصة التي تحتاج إلى متعاونين، حولوها لمصدر ريع . فبالاضافة إلى راتبهم الشهري ، نراهم يستخلصون مالا وفيرا من المقالات والبلاغات التي تنشر، والغريب وهو وجود متعاونين بدون ضمير يقومون ب"السخرة" . يبحثون عن الهمزة ويقتسمون مدخولها مع "الصحافي أدي الدنيا" ، المكلف بالصفحة أو الصفحتين كما في بعض الجرائد الناطقة بالفرنسية، والتي لا يتجاوز عدد قرائها الألف أو الألفين . لو كانت هذه المنابر الإعلامية تحترم قواعد المهنة وتطبق الشروط الديونتولوجية أحسن تطبيق ، لالتزمت بأداء المقابل لأصحاب المقلات ، لكن بما أن المفاهيم انقلبت رأسا على عقب، فالمتعاون هو الذي يؤدي ثمن النشر للصحيفة، ليس كإعلان إشهاري (بتيت أنانس) ،   وإنما كمقال حول موضوع معين . فحين تفتح بعض الصحف اليومية و تحصي المقالات التي تخصص للفنون التشكيلية يخيل لك أن الحزب الذي يصدر الجريدة "تيحماق على الرسم ". والحقيقة هي أن مرتزقة الفن هم وراء هذه "الحيحة ". مع الملاحظة أن الرسامين المبتدئين هم من يبحثون عن هؤلاء المرتزقة لتلميع صورتهم، بكلام فارغ من أي محتوى موضوعي. فما ينشر من طرف هؤلاء ليس بنقد فني، لأن الناقد الفني لا يكتب على من هب ودب. وليس بوثيرة أربع مقلات في الساعة، يوقعها بأسماء مستعارة. ولكي تستمر اللعبة إلى ما لانهاية، لابد من شيء من "التبوليس" والجاسوسية و"تاشكامت" . فهؤلاء الصحافيين المنبطحين الذين يشجعون هذه الردة المملوءة من ألفها إلى يائها بالرداءة ، لا ينخرطون في النقابة، ولا يمشون في المسيرات والمظاهرات الاحتجاجية، ولا يتضامنون مع إخوان لهم في المهنة، حوكموا لأنهم يؤمنون بقدسية الخبر و بحرية التعبير، بل نراهم يصطفون مع اعتدائها ، حيث يضربون مسامير نعشها وإقبارها وهي حية . فتحية نضالية من فنان حر وكاتب ملتزم ، لسجناء الرأي القدامى (علي لمرابط، علي النوزلا) والجدد.

شهادة رزاق عبدالرزاق في حق رشي نينيRITAJ PRESS

شهادة رزاق عبدالرزاق في حق رشي نيني


للمرة الثانية ، ألغي اللقاء مع صاحب زاوية "شوف تشوف" رشيد نيي ، لأسباب مجهولة . هذا اللقاء   كان مبرمجا ليوم الأربعاء 14 فبراير، ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب . حينما توصلت بالبرنامج العام عبر البريد الإكتروني ، وعلمت بهذا اللقاء قررت الذهاب إلى الدارالبيضاء، لأساهم في النقاش، باعتباري أني كنت الأول في إقحام رشيد نيني في عالم الصحافة والإعلام. هيأت ورقة وتوجهت الى المعرض. أول شيء صدمني وهو أن بطاقة الفنان التي تمنحها الوزارة للمؤلفين والكتاب لا تصلح لشيء . إذ يجب على الكاتب شراء تذكرة الدخول . مع الأسف عند وصولي إلى قاعة وجدة بعد جهد شاق ، لم أجد إلا الكراسي الفارغة . فلمن يجهل بدايات نيني في مجال الصحافة ، نعمم مضمون هذه الورقة التي كنت أنوي قراءتها، إن سمح لي مؤطر اللقاء بالإفصاح عن محتواها .مع الأسف لم نجد لا الكاتب ولا المؤطر .

هل نيني النجاحات الأسطورية هو نيني البدايات الشائكة ؟
شهادة يدلي بها رزاق عبدالرزاق

أريد مخاطبة نيني البدايات وليس نيني النجاحات الأسطورية، إن كان حقا تكديس المال وتقديسه فعل أسطوري : هل لا زال يتذكر أول شخص أخذ بيده، ليساعده على شق الطريق الشائك ، في مجال الصحافة والإعلام؟ المكان: فندق حسان بالرباط ، والمناسبة : الإعلان عن نتائج جائزة أدبيه اكتفى مقرروها بالتنويه، فبدأ الشاب المُنوّه به يحتج . لكن بعد  الاستماع للمقتطف الذي قرئ على العموم ، اكتشف الناقد الذي كنت ارتدي معطفه، أنه أمام ظاهرة متفردة، وليس أمام شاب عادي جاء للعاصمة، ليظهر كفاءاته الإنشائية.
ما أتار انتباهي هو استعماله للاستعارة السيمانتيقية ''حمار السلام''، وهي مركبة من كلمتين . إن الكتاب الكلاسيكيين لا يتحدثون إلا عن حمام السلام، الذي يرجع بنا إلى قصة نوح ، أما الشاب الذي حاولت مواساته على الخسران الكبير ، والذي كنت أجهل كل شيء عنه، فقد رجع إلى كائن ليس له   منقار، لينقل غصن النجاة من البر إلى البحر ، أو أجنحة كما جاء في بعض الأساطير الإغريقية، وإنما له أذنين كبيرتين وصبور ما فوق العادة، كائن استفادت شعوب الدنيا من خدماته، ألا وهو سيدنا الحمار. أقول''سيدنا الحمار''، لأنه كان أذكى من سيدي بوحمارة الذي كتب عنه المؤرخون المغاربة، حتى الثمالة، كأنه المهدي المنتظر . فأستاذ السيكولوجيا والتحليل النفسي جاك لاكان، الذي طور نظرية سيغموند فرويد، فأسس مدرسة باريس للتحليل النفسي، كان يكن احتراما مفرطا لهذا الحيوان الخدوم والصامت ، حيث أصدر مجلة علمية سماها ''الحمار'' ، تقديرا له. هذا البروفيسور المتنور الذي كان يعرف قيمة الكلام، لسبر أغوار اللاشعور عند الجنس البشري، كان يحث تلامذته (دكاترة المستقبل) على تقليد الحمار في الإقلال من الثرثرة  والإفراط في الاستماع للكلام المحموم المنبعث من دواخل مرضاهم ، وزبنائهم الراغبين في العلاج النفسي .
"الطبيب الثرثار لا يصلح البتة للتحليل النفسي"، هذه هي أهم الاستنتاجات التي أتت بها المدرسة اللاكانية . وبما أني كنت من القراء المواظبين لهذه المجلة القيمة ، ذكرني الإيحاء السردي بمضامينها . فقلت في نفسي : ''هذا القلم يصلح لصحافتنا . إن عهد حمام السلام قد ولى ''. هكذا   كان تخميني، ومن حسن حضي، لم يخطئ حدسي ولم أغلط في تنبؤاتي، كما حصل مع مواهب وأسماء أخرى ، لا فائدة من ذكرهم. كانوا نكرة ثم صاروا ''نجوم''، ولو أن سماءنا القاحلة ما فيها إلا النجوم المنطفئة. إن جلهم تنكروا للخير، مصداقا للقولة الشعرية البليغة : " إذا انت اكرمت الكريم ملكته وان انت اكرمت اللئيم تمردا".
فمن مكر الصدف ، وبعد أن تيسرت الأمور عند نيني وبدأ يحصد   الأرباح ، أسس شركته الخاصة بالتوزيع ، ولم يختار عنوانا لمقرها سوى مقر الجريدة التي دخلناها ، ذات يوم ،   انأ وهو، طالبين ضيف الله.
لازلت أتذكر تفاصيل هذه القصة ، من ألفها إلى يائها . فبدون أن أقدم له نفسي أو أعطيه اسمي، طلبت منه أن يرافقني ، دون أن أحدد الوجهة . عندما اقتربنا من مسرح محمد الخامس سألني: '' فين غادي بيا؟'' . "غادي بيك لدوزيام. مالك قاتل روح" . جوابي هذا الممزوج بالسيسبانس والهزل أزعجه بعض الشيء . لحظة ، اعتقدت أنه سيلوذ بالفرار. لكن حينما أخدنا المنعرج المؤدي إلى جريدة العلم ، بدأت ملامح الانشراح تغمر وجهه ، لتمحي علامات الاستفهام و الخوف والتوجس . قدمته للكاريكاتريست العربي الصبان، الذي كانت تربطني به صداقة قديمة، وكذلك لأنني كنت أعرف أنه هو المفتاح ، لكي يطأ نيني ذاك الزمان قدميه في أقدم جريدة بالمغرب و يترك بصمته الخالدة فيها، نظرا للمكانة الخاصة التي كان يحظى بها الصبان بين مكونات الطاقم التحريري، من المدير إلى   مصفف الحروف . رحب بالكاتب الشاب . تركته معه لأنصرف لحالي ، لأن مهمتي كناقد فني وكمكتشف للمواهب انتهت. وعلى الجريدة أن تقوم بدورها ،كما فعلت سابقا مع كتاب مغاربة آخرين. مع الأسف ، الكل تغير اليوم ، من السيئ إلى السوء. أين سنجد أمثال عبدالجبار السحيمي ، وعبدالكريم غلاب ، وعزيز لحبابي، وعلي يعتة ؟ على ذكر هذا الأخير ، أريد التنويه بما قام به اتجاهي . فحينما كنت أتعاون مع جريدة البيان، كناقد سينمائي ، ولأول مرة في تاريخ هذه الجريدة التقدمية ، صار ''فريلانس'' (freelance)  لا منتمي للحزب ، يمثل الجريدة في التظاهرات والملتقيات الثقافية . كانت استمارات الاعتماد الصحفي توقع من طرف "يعتة وما أدراك ما يعتة" . لا زلت أتذكر العبارات المدوية التي نطق بها أمامي وأمام محمد فرحات و ابنه ندير يعتة : وهو يسلمني رسالة الاعتماد الموجهة لمدير مهرجان السينما الافريقية ب خريبكة : " أنت تمثل البيان و إن اعتدى عليك أي عنصر متسلط ستسمع اسمك في البرلمان ". قال هذا الكلام المثير ، لأنه كان يعلم أن تمثيل جريدة تقدمية ، لها تاريخ حافل بالمحاكمات وعقوبات الحجز ، في ملتقى دولي محفوف بالمخاطر، مع العلم أن في تلك الفترة كان رئيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل النقابي نوبير الأموي قابعا في السجن، وجريدة البيان كانت ملتزمة ، أكثر مما هي عليه الآن ، بقضايا المضطهدين   والمحرومين ، من أبناء هذا الوطن .
لنعد ل رشيد نيني و بداياته . ذات يوم كنت متوجها لمحطة القطار، إذا بي أسمع صوتا يناديني باسمي. التفت فوجدت رشيد نيني، بابتسامته الماكرة. طلب مني أن أساهم معه بمقالات صحفية لإتمام مواد أول مشروع إعلامي له سماه ''أوال ''، (المخالف تماما عن الثاني الذي أصدره فيما بعد في حلة جديدة)، وهذه التسمية تعني الكلام بالأمازيغية . كان همه الوحيد هو الحصول على تأشيرة الدخول إلى اسبانيا كمدير جريدة ، للمشاركة في مؤتمر يهم هذه اللهجة العريقة ، بعدما تعذر له إتيان ذلك عن طريق الجريدة التي كان يتعاون معها بانتظام وبحماس . لم تتفهم الإدارة هذا الأمر، كما حصل لي شخصيا مع جريدة "البيان" و "ماروك هيبدو" . وكان غلطا فادحا . جراء ذلك ستندم فيما بعد على هذا التجاهل الذي يولد الجحود والجفاء . هكذا وجد نيني الحل بذكاء ، للوصول إلى المبتغى. واعتقد أنه صرف كل مدخراته المتواضعة من أجل إصدار الأعداد الأولى، التي صدرت في ازدواجية للغة . في تلك الفترة كانت مقالاتي بالفرنسية أكثر غزارة من العربية. لم يطلب رشيد منى السبق أو الكتابة في موضوع محدد ، لأنه راهن على الزمن. اكتفى بمقالات نشرتها سابقا في جرائد أخرى ك "ليبراسيون" و"الرأي" و''البيان'' . هكذا بدأت مغامرة رشيد نيني في مجال الإعلام. والبقية يعرفها بعمق العربي الصبان الذي لم يخيب الآمال، و الكاتب الصحافي مصطفى حيران الذي غاب عن الأنظار فجأة، مباشرة بعد توقف موقعه الجريء والقيم "أخبر كوم" . نتمنى أن يكون على وافر الصحة والعافية. كما نتمنى أن تعود مياه الصلح والوئام إلى مجاريها ، لأن نجاح نيني فهو أيضا نجاح لمن عبدوا له طريق البدايات ، وفسحوا له مجال التعبير، والأفق . وسيظل التاريخ شاهدا على ذلك، أحب من أحب، و كره من كره. وما نحن في هذا الوجود إلا لنقل كلمتنا ونمر، أكنا ننعم في غنى فاحش أو نعاني من فقر مدقع . و إن سألني أحد أيهما أفضل : نيني البارحة آو نيني اليوم؟ اختار بكل عفوية نيني "كورساكوف"، و"تيغسالين"، لأن عموده الصحفي المعتاد، كان مرآة صادقة ، تعكس بجرأة نادرة وشجاعة متناهية ، ما يدور في المجتمع المغربي، وكان محرره الموهوب أكثر تضامن مع المظلومين والمنسيين .
رزاق عبد الرزاق
كاتب مغربي له عدة كتب
و مؤسس الجائزة الدولية للفن الساخر